محمد متولي الشعراوي
9147
تفسير الشعراوي
ولا بُدَّ أن نعلم أن الله تعالى له الكمال المطلق قبل أنْ يخلق الخَلْق وبصفات الكمال خلق ، فلا تنفعه طاعة ، ولا تضره معصية . فإن قلتَ : فلماذا إذن يُكلِّف الخَلْق بالأمر والنهي ؟ نقول : كلَّف الله الخَلْق لتستمر حركة الحياة وتتساند الجهود ولا تتصادم ، فيحدث في حياتهم الارتقاء ويسعدوا بها ، إنما لو تركهم وأهواءهم لَفسدتِ الحياة ، فأنت تبني وغيرك يهدم . لذلك يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » . والحق تبارك وتعالى يقول : { وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض } [ المؤمنون : 71 ] . إذن : التشريعات جُعلَتْ لصالحنا نحن : { فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ } [ مريم : 65 ] لأن العبادة فيها مشقة ، فلا بُدَّ لها من صبر ؛ لأنها تأمرك بأشياء يشقُّ عليك أنْ تفعلها ، وينهاك عَنْ أشياء يشقُّ عليك أن تتركها لأنك ألِفْتها . والصبر يكون منا جميعاً ، يصبر كُلٌّ مِنَّا على الآخر ؛ لأننا أبناء أغيار ، فإن صبرتَ على الأذى صبر الناس عليك إنْ حدث منك إيذاء لهم ؛ لذلك يقول تعالى : { وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } [ العصر : 3 ] . والحق سبحانه وتعالى يُعلِّمنا : إن أذنب أحد في حَقْك ، أو أساء إليك فاغفر له كما تحب أن أغفر لك ذنبك ، واعفوَ عن سيئتك .